الشيخ محمد رشيد رضا
67
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ويتكلوا بعد ذلك في الهجوم والاقدام ، على عناية اللّه تعالى بتثبيت القلوب والأقدام ، وغير ذلك من ضروب التوفيق والالهام ، فمن قصر في اتخاذ الأسباب اعتمادا على اللّه فهو جاهل باللّه ، ومن التجأ إلي ما ليس بسبب من دون اللّه فهو مشرك باللّه وهذا الذي يلجأ اليه من انسان مكرم - كالأنبياء والصالحين ، أو ملك من الملائكة المقربين ، أو ما دون ذلك من مظاهر الخليقة ، أو صنم أو تمثال جعل تذكارا لشيء من هذه - يسمى ندا للّه وشريكا له ووليا من دونه ، وقد نطق القرآن بجميع هذه الأسماء التي سماها المشركون ولم ينزل اللّه بها من سلطان قال الأستاذ الامام : قسم المفسرون الأنداد إلى قسمين : قسم يعمل بالاستقلال أي يقضي حاجة من يلجأ اليه بنفسه ، وقسم يشفع عند اللّه تعالى ويتوسط لصاحب الحاجة فتقضى ، وإنما كان الشفيع ندا لأنه يستنزل من يشفع عنده عن رأيه ويحول من إرادته ، وتحويل الإرادة لا بد أن يكون مسبوقا بتغيير العلم بالمصلحة والحكمة إذ الإرادة تابعة للعلم دائما ، وهذا هو المعروف من معنى الشفاعة عند السلاطين والحكام وهو محال على اللّه تعالى . وأقل تغيير في علم المشفوع عنده هو أن يعلم أن الشفيع يهمه أمر من يشفع له ويتمنى لو تقضى حاجته ( وسترى بيان هذا ودليله في تفسير آية الكرسي ) ولا يرغب عن الأسباب إلى التعلق بالأنداد والشفعاء إلا من كان قليل الثقة بالسبب أو طالبا ما هو أعجل منه ، كالمريض يعالجه الأطباء فيتراءي له أو لأحد أقاربه ان يلجأ إلى من يعتقد تأثيرهم في السلطة الغيبية الخارجة عن الأسباب طلبا للتعجيل بالشفاء ، ومثله سائر أصحاب الحاجات الذين يلجؤن إلى من اتخذوهم أولياء ليكفوهم عناء اتخاذ الأسباب ( وذكر منهم طلاب خدمة الحكومة ) وأما القسم الآخر من الأنداد فهو من يتبع في الدين من غير أن يكون مبينه للناس ما جاء عن اللّه تعالى ورسوله ، فيعمل بقوله وإن لم يعرف دليله ويتخذ رأيه دينا واجب الاتباع وإن ظهر أنه مخالف لما جاء عن اللّه ورسوله ، اعتمادا على أنه أعلم بالوحي ممن قلدوه دينهم وأوسع منهم فهما فيما نزل اللّه ، وفي هؤلاء نزل قوله